ابن عربي
186
فصوص الحكم
جاؤوا به في الخبر عن الجناب الإلهي ، فأثبتوا ما أثبته العقل وزادوا ( 1 ) ما لا يستقل العقل بإدراكه ، وما يُحِيلُه ( 2 ) العقل رأساً ويُقِرُّ به في التجلي ( 3 ) . فإذا خلا بعد التجلي بنفسه حَارَ فيما رآه : فإن كان عبد رب رد العقل إليه ، وإن كان عبد نظر رد الحق إلى حكمه ( 4 ) . وهذا لا يكون إلا ما دام في هذه النشأة الدنيوية ( 5 ) محجوباً عن نشأته الأخروية في الدنيا . فإن العارفين يظهرون هنا ( 6 ) كأنهم في الصورة الدنيا لما يجري عليهم من أحكامها ، والله تعالى قد حوَّلهم في بواطنهم في النشأة الأخروية ، لا بد من ذلك . فهم بالصورة مجهولون إلا لمن كشف الله عن بصيرته فأدرك . فما من عارف با لله من حيث التجلي الإلهي إلا وهو على النشأة الآخرة : قد حشر في دنياه ونشر في قبره ، فهو يرى ما لا ترون ، ويشهد ما لا تشهدون ، عناية من الله ببعض عباده في ذلك . فمن أراد العثور على هذه الحكمة الإلياسية الإدريسية الذي أنشأه الله نشأتين ، فكان نبياً قبل نوح ثم رفع ونزل رسولًا بعد ذلك ، فجمع الله له بين المنزلتين فلينزل عن حكم عقله إلى شهوته ، ويكون حيواناً مطلقاً حتى يَكْشِفَ ما تكشفه كل دابة ما عدا الثقلين ، فحينئذ يعلم أنه قد تحقق بحيوانيته . وعلامته علامتان الواحدة هذا الكشف ، فيرى من يعذب في قبره ومن ينعم ، ويرى الميت حياً والصامت متكلماً والقاعد ماشياً . والعلامة الثانية الخرس بحيث إنه لو أراد أن ينطق بما رآه لم يقدر فحينئذ يتحقق بحيوانيته . وكان لنا تلميذ قد حصل له هذا الكشف غير أنه لم يحفظ عليه الخرس فلم يتحقق بحيوانيته . ولما أقامني الله في هذا المقام تحققت بحيوانيتي تحققاً كلياً ، فكنت أرى وأريد النطق
--> ( 1 ) ب : فيما ( 2 ) « ا » و « ن » : تخيله ( 3 ) ب : التجلي الإلهي ( 4 ) الهاء في إليه عائدة على الرب ، وفي حكمه عائدة على العقل ( 5 ) ب : الدنيا ( 6 ) ب : حسياً .